Friday, May 12, 2006

د. صلاح فضل: حمدي الجزار وفتنة السحر الأسود





حمدي الجزار وفتنة السحر الأسود
بقلم :د. صلاح فضل
يتميز بعض الروائيين الشباب‏,‏ ممن يمتلكون شجاعة الإبداع وجسارة المغامرة‏,‏ بقدرتهم علي اختراق
الصمت المجتمعي الجاثم حول تجارب ومناطق معينة في حياة الناس‏.‏ يستقطرون منها خبرات جديدة‏,‏ تجعلها أكثر حيوية وفاعلية في تمثيل الحس الجمالي بالوجود المعاصر‏.‏وحمدي الجزار روائي شاب ناضج‏,‏ عرف منذ لحظة اختياره المدهش لعنوان روايته الأولي‏'‏ سحر أسود‏'‏ كيف يجترئ علي هذا الصمت وهو يدخل مناطقه المثيرة‏,‏ ابتداء من السطور الأولي التي يروي فيها بدقة تشكيلية ملامح نموذج بشري جدير بأن ينحفر في ذاكرة القراء إذ يقول‏:'‏ لا‏.‏ لم أشعر برهبة من هذا المكان‏,‏ أو بخوف من هذا العجوز الجالس علي دكته الخشبية الصغيرة في مدخل البيت القديم‏,‏ يخيط الأكفان البيضاء بابتسامة ثابتة تجمدت معها ملامح وجهه‏,‏ ونظرته المقتحمة التي تتردد بين الإبرة والقماش‏,‏ والداخلين والخارجين من البيت‏,‏ يتفحصهم طويلا بثبات‏,‏ كأنه لا يراهم تقريبا‏,‏ كأن عينيه ميتتان‏,‏ أو هكذا يبدو لشخص جديد مثلي هنا‏'.‏صانع الأكفان البيضاء يتحول إلي مجرد عينين ميتتين ترقبان بفضول شرس واختبار دقيق هوية الأحياء المترددين علي المنزل والجوار‏,‏ إنه عين المجتمع المدسوسة في خصوصيات الأفراد والرقيبة علي حركتهم‏,‏ أو لعله عين الموت التي تتربص بالأحياء‏,‏ لتنذرهم دائما بما ينتظرهم من مصير محتوم‏.‏ ومهما اجتهد الراوي كي ينفض عنه حس الرهبة والخوف فإنه قد ألقي في روع قارئه شيئا من هذا الحس الفاجع والبارد بالمصير الأبيض المقدور‏,‏ وهو يتأهب لتلقي صدمة السحر الأسود التي أعده لها عنوان الرواية‏.‏ومع أن دور صانع الأكفان سيتواري إثر ذلك‏,‏ خاصة عندما يرصد الراوي مواعيد فتح محله وإغلاقه وينجح في تنظيم حركة زائراته الليلية بحيث لا ينتهك العجوز خصوصيته أو يطلع علي أسراره‏,‏ فإن افتتاح السرد بهذه السطور المرسومة بدقة يعزز البؤرة المكثفة للتجربة كلها‏,‏ وهي ذوبان طاقة الإنسان المبدعة في الثقب الأسود لعين الكاميرا الساحرة‏,‏ بما تخلقه من جماليات تشكيلية وبما تمثله من أوضاع إنسانية كاشفة عن الدلالات المحيطة بوجود الأشياء وظلالها الشبحية‏.‏عين الكاميرا‏:‏عندما ترصد الكلمات مولد إنسان مصور فنيا فإنها تبتلع الألوان والأشكال لتحكي قصة موهبته وهي تتفتح علي رؤية العالم من منظور مزدوج‏,‏ يجمع ما بين الخبرة الجمالية للغة والأوضاع التقنية للتصوير في اختيار الزوايا والكوادر والإضاءات المتفاوتة‏;‏ فهي تنقل مجازات الآلة إلي العبارة فيما تفتح آليات السرد علي عمليات التصوير‏.‏ ولنقرأ شرح الراوي لما حدث له‏:‏‏ الضوء والظلمة قانون حياتي التي ارتبطت بهذه الآلة الغريبة‏.‏ أول مرة أمسكت فيها بكاميرا بين يدي كنت في نحو الرابعة عشرة من عمري‏,‏ جاءني بها أبي كهدية لنجاحي الباهر الذي لم يكن يتوقعه في الشهادة الإعدادية‏.‏ أحببت جسدها الأسود الخشن الذي كنت شغوفا بملمسه بين كفي‏,‏ وعدستها الواسعة البارزة الكبيرة‏.‏ كانت أجمل الأوقات التي توفرها لي هي تلك الساعات الطويلة التي أضع فيها عيني اليسري خلف عدستها وأغمض الأخري‏.‏أسير في الشوارع كأعمي وهب عينا زجاجية ردت إليه البصر‏.‏ أري وجوه الناس والشوارع والبيوت والأشجار والصبايا والمقاهي والأسواق وقد تغيرت تماما عما كنت أراها بعيني رأسي‏,‏ صارت أجمل‏,‏ أرحب‏,‏ نظيفة‏,‏ ساطعة محددة‏,‏ يمكن الإمساك بها‏,‏ تثبيتها والقبض عليها بيدي‏,‏ امتلاكها‏,‏ لا رؤيتها وتأملها فحسب‏.‏ أصبحت الأشياء ملكي عندما امتلكت هذه الكاميرا‏'‏ الياشيكا‏'‏ الصغيرة‏,‏ حتي أبي الذي أصررت علي أن ألتقط له أول صورة في حياتي كان يبدو لي من خلف العدسة بلا بثور في خديه‏,‏ ولا تجاعيد عميقة علي ناصية وجهه المستطيل الكبير‏,‏ وشعره الرمادي الذي كان نصفه أبيض علي الأقل صار أسود فاحما‏.‏كان وقد ابتسم ابتسامة خفيفة وكأنه ينظر إلي داخل نفسه‏,‏ ولا يراني أمامه‏.‏ يشبه نجوم السينما ورجال السياسة والمشاهير الذين يظهرون في التليفزيون‏.‏ عندما طبعت الصورة عند عم‏'‏ تشيكو‏'‏ أخذها من يدي‏,‏ تأملها طويلا ثم قام من مكانه وأخذني في حضنه وقال‏:'‏ هتبقي فنان يا ناصر‏'.‏وإذا كان الأدب يجعل الحية أكثر حياة‏,‏ فإنه عندما يستوعب تجربة تخليق الفنون البصرية في التصوير ـ كما يفعل هنا‏-‏ ويحكي بعفوية لطيفة ما تفعله في قسمات الوجوه ورؤية الإنسان لذاته فإنه يضاعف نور الفن المنعكس علي اللغة والسرد‏,‏ ويشكل وعيا رائقا بجماليات الإبداع وهي تضع الوجود في حيز الفهم والامتلاك‏,‏ والتصرف والتعديل‏.‏يقظة الفتنة‏:‏يبعث حمدي الجزار في سحره الفني الأسود فتونا نائمة من مراقدها‏,‏ بمهارة يندر أن تتوافر لمبدع شاب‏,‏ فهو مثلا يصف عروض بعض الفرق الموسيقية الأجنبية‏,‏ وكيف تتلاعب بمشاعر الشباب وأجسادهم وهي تتنقل برشاقة صاخبة بين الألحان‏,‏ بينما يزرع شخصياته في مواقف محتدمة ومتوهجة‏.‏ فإذا ما قرر العبور من الخاص إلي العام وفتح حدقته التصويرية ليرسم أطر الحياة التي تشغله مهنيا صب في كلمات قليلة خلاصة تجربة سنوات طويلة بشكل مكثف ومتدفق‏,‏ فراويه يقرر مثلا أن يقوم بجولة علي مبني الإذاعة والتليفزيون في‏'‏ ماسبيرو‏'‏ الذي يعمل فيه‏فينتهي إلي تجسيده وهو يلهث ليلتقط خواصه الظاهرة والباطنة بسطور معدودة‏'‏ أصعد درجات السلم ببطء وخفة‏,‏ متقمصا شخصية‏'‏ شارلوك هولمز‏',‏ وأتفرج محاولا اكتشاف ماذا يحدث بالضبط ؟ أتلصص علي المديرين والموظفين والمذيعين والمذيعات والمخرجين والعمال والضيوف‏..‏ أرهف حواسي لاستقبال الفن والزيف و‏'‏الأونطة‏'‏ والتمثيل والموسيقي‏.‏ أحاول شم الروائح العفنة والدسائس والمؤمرات والفساد والأموال المنهوبة‏..‏ أحس‏'‏ جردل‏'‏ ماسبيرو الضخم ينسكب فوق دماغي لآخره‏.‏يحيلني إلي آلة جيدة لحشو أدمغة الخلق بالزيف والباطل‏,‏ و الحقائق والأوهام‏,‏ والجمال والقبح والمتعة‏.‏ آلة تفكير جبارة هائلة متعددة الوظائف‏,‏ تفكر للجميع وتبني لهم عالما وهميا من اختراعها‏.‏ آلة تلاحقك بالصور والأفكار والأحداث حتي تصير أمامها أعمي‏,‏ كامل العمي‏'.‏علي أن نور الحقيقة التي تتجلي عبر اللغة هو الذي يبهر بصر القارئ باختلاط هذه الأمشاج في آلة الإعلام الكبري في مصر‏,‏ مما يعز التقاطه في عدسة أية تقنيات فنية أخري غير السرد وما يتكئ عليه من سينما أو دراما‏,‏ لأن حركة الإبداع التي تعرف كيف تخترق الظواهر وتنفذ إلي ضمير المجتمع لتقوم بدورها النقدي هي الكفيلة وحدها بالتصحيح المتجدد لتشوهاته المتراكمة‏,‏ لتوسيع حجم الحقيقة والجمال فيه‏,‏ بقدر ما يتمتع الفن من حرية ودينامية‏.‏ فكما أن الناس يهزون أكتافهم عند مواجهة القبح قائلين‏:‏ هذا شأن الحياة بما تعج به من خير وشر فإن الفنانين وحدهم هم الذين يضيقون‏,‏ وهذا دور الفن في الارتقاء بالحياة‏
‏الأهرام،الأثنين 8مايو2006

Thursday, May 04, 2006

1_2_3


1

كالعادة الجديدة ابنة الإسبوعين أدخل الشقة لأجد نفسى فى عتمة الصالة الضيقة. تتغير الرائحة النفاذة القوية إلى رائحة مكتومة قديمة، رائحة هواء راكد عشش فى أثاث عتيق، علق بهذه الشقة منذ ماتت صاحبتها قبل سبع سنوات. أخبرنى زوج ابنتها محروس، الذى طلب 350 جنيهاً شهرياً لاستئجارها وفقاً لقانون الإيجار الجديد، أن أحداً لم تطأ قدمه هذا المكان منذ ماتت حماته.
" كانت ست بعشر رجالة، السوق كله يعمل لها ألف حساب".
وضحك ضحكة طويلة لحشّاش قديم :
" حتى فى موتها كانت بعشر رجالة، قعدت تموت عشر سنين.. أوصى على الكفن وفتح القبر وصوان العزا والفقى بالليل.. وهى تصحى وتسبقنى على الدكان قبل الفجر ما يطلع. عشر مرات يا محترم لحد ما قلت الست دى مش باين لها موت!"
وتوقف عن الكلام ليقهقه بشخير ويضرب ناصيته بكف يده:
" حتى عم ريحان زهقته فى عشته، كفّرته وكانت هتطلع روحه.. كل مرة يقرب منها وهى قاطعة النفس ممددة زى الشوال على السرير، ويقول لها مع السلامة يا نعيمة.. تفز قايمة فـ السرير، وتقول له مع السلامة انت يا اخويه، أغسّلك بإيديه وأوصلك القبر وأنا بجري وراك يا عنيّه ".
" الله يرحمها ".
أدار الخاتم الذهب الكبير فى بنصر يده اليسرى :
" عشان عشرتها الحلوة بس، أنا باقى على بنتها ".
كان يرتدى جلباباً أنيقاً مكوياً بعناية بالغة، وحذاءً إيطالياً لامعاً، وساعة فاخرة في معصمه، وسيارته الكبيرة تنتظره أمام البيت. خمنتُ أن معلمته الراحلة لم تكن مجرد بيّاعة خضار في سوق المواردى ، وأنه كان صبيها "المتودك" الذى ورث عنها محل الخضار الكبير وهذا البيت، وعمارة في شارع القصر العينى وأسرار تجارتها السرية.
" تصدق باللى خلقك، أنا ورد عليّه أصناف من النسوان ما تتخيلهاش ، من جاردن سيتى والزمالك والمعادى.. إنما أعمل آيه فى وفائى للمرحومة؟!"
بدا لى أنه استطاع أن يُحدث تغييراً جذرياً فى تجارة المرحومة، فتحول عن الأصناف الشعبية ومزاج أولاد البلد، الذين بسبيلهم للانقراض، إلى الأصناف الخفيفة الفاخرة التى يُفضلها شباب وفتيات الأحياء الراقية، لكنه لم يستطع أن يغيّر مزاجه فى النسوان، فظل مخلصاً للبلدى.
كانت الحجرة الأكبر فى الشقة والتى خصصتها للنوم والمطالعة ونشاطات أخرى ذات شرفة عريضة تطل على الشارع وأطلال منزل كبير قديم سقط سقفه داخله، وبقيت حيطانه الحجرية الصفراء المسودة عالية منتصبة فى الفراغ، وبقى بابه الخشبي الضخم مغلقاً بقفل نحاسى كبير. قصر أحد باشاوات الأربعينات، تاجر كبير، ربما.. على الأقل ما زالت أمامه شجرة داليا ضخمة كثيرة الغصون، لها زهور حمراء متفتحة فى هذا الخريف.
جنب الحيط المشتركة بينى وبين شقة جيرانى سرير خشبى عتيق يحتل معظم مساحة الحجرة، وتحت الشرفة مكتب صغير بدرجين، وكرسيين من المعدن والجلد الأسود. الغرفة الأخرى صغيرة لها بلكونة ضيقة تنتصب فوق دكان ريحان مباشرة. دكان ريحان صغير صغر مساحة هذه الغرفة، يزيد من الإحساس بضيقة ومحدوديته رفوفه الخشبية التى تغطى معظم حيطان الدكان. فوقها أكوام من القماش وشلات الخيط وبعض الزجاجات الصغيرة.
كان لابد من القضاء على كلاحة الحيطان التى حال لونها وتكومت فوقها بقع كبيرة متناثرة من فضلات الفئران والناموس والذباب. اشتريت جالونيْن من البلاستيك الأبيض وفرشاة دهانات واستأجرت سلماً خشبياً مزدوجاًً من بائع بويات فى شارع الرشيدى، ولثلاث ليالٍ متتالية كنت أبدأ العمل فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأنتهى في نحو الثامنة صباحاً ، أدهن الحيطان والأسقف والأبواب والشبابيك باللون الأبيض، الأبيض فقط. أستدعى بعض خبرات صباىّ فى العمل كصبى نقاش. كان جارنا في حىّ السيدة زينب. أصبحت أتعب بسرعة من الصعود والهبوط على السلم وأملّ ضرباتى ويسقط بعض البلاستيك على البلاط. لم أكن خائباً هكذا.. كنت ماهراً بشهادة الأسطى عادل، نقاش عفريت فى الثانية عشرة من عمره. رغم تخدل ذراعى وتعب جسمى كان قلبى يقفز فى صدرى كلما نظرت إلى حيط فلا أتعرف فيها على الحيط القذرة الأولى.
لم تكن النتيجة النهائية سيئة جداً. أصبحت الشقة ذات أسقف وحيطان وأبواب بيضاء نظيفة، وإن لم تكن مصقولة أو ناعمة. ابتسمتُ لنفسى وأخذت أدندن بلحن راقص. خرجت إلى البلكونة. كان ريحان يبدو صبياً صغيراً محنى الظهر، ساقط الكتفين وهو يتأبط ذراع مساعده فارع الطول. طاقيته البيضاء معلقة فى الهواء ككتلة نور صغيرة تمشى فى ظلمة الشارع. كانت خطواته قصيرة ورفيقه لا يرحمه، يسحبه بخطواته الرشيقة الواسعة إلى زحام وضوضاء شارع الرشيدى.
لا أعرف أين يعيش ريحان. لم أهتم.
بعد الثانية عشرة مساءً يعود جمعة , جارى فى الشقة المقابلة. يصعد السلالم الحجرية للبيت بخطوات بطيئة ثقيلة، أسمع وقعها الخافت المكتوم، كأنه لا يطيق حمل ثقل جسمه السمين القصير. له رأس كبير يلتصق مباشرة بجسده حيث غابت الرقبة تحت طبقات الدهن وصارت لغداً مترهلاً.
يماثلنى فى العمر تقريباً، ولكنه يبدو أكبر من عمره بنحو عشر سنوات بصلعته المدورة الصغيرة، والتجاعيد العميقة حول فمه وتحت عينيه الجاحظتين. منذ اصطدم بى على السلم أثناء صعوده ونزولى وهو يخفى ذعره منى بتقطيبة عميقة يرسمها على ناصيته العريضة كلما صادفنى، فأغيظه بافتعال ابتسامة عريضة وتمتمة مبهمة أعرف أنها ستثير حنقه.
تبدأ أصوات المشاجرة الليلية المعتادة تنبعث من خلف الحيط المشتركة بيننا. أميز فيها أصوات العوانس الثلاث، كما يسميهن جمعة، الأخت الكبرى ماجدة تمتاز بصراخ حاد متصل مثل سرينة عربة الإسعاف، ينطلق حين يقفز جمعة لتطول يده وجهها. يضربها كل ليلة لأسباب مختلفة.
الليلة يضربها بغضب أكثر من المعتاد قليلا،ً لأنها تمايصت فى سوق الخضار مع المعلم عضمة الجزار حتى لا يدس الشغت فى كيلو اللحم الكندوز، ووقفت على ناصية شارع المواردى ساعتين ترغى، بدون مناسبة، مع طالب في كلية الطب كان يسألها عن دكان ريحان.
الأختان الأخرتان تنهنهان وتستجديان، بصوت خافت مكسور، وتتوسلان لجمعة أن يكف عن ضرب أختيهما. يتعب جمعة بسرعة من ضرب البنت الطويلة الفارعة، وأخيراً تنتهى المشاجرة بجمعة يسب بنات الوسخة القحبات.
يدوم الصمت دقائق معدودة، بعدها يرتفع فجأة صوت الكاسيت بأغنية شعبية راقصة، وأسمع أصوات الضحكات الرنانة والخطوات الرشيقة والتصفيق والغناء، لا أعرف من الذى يرقص ومن يشجع، ربما ترقص البنات وحدهن، يرقص جمعة معهن أم يدخل لينام وحده كالقتيل. لا أعرف.
يدخل الليل ساعاته الأخيرة فأبدأ نشاطى الجسمى المحموم. أتجول بين الغرفتين، ومن المطبخ إلى الصالة. أعد أربعة أكواب شاى متتالية. أقلب فى ألبومات صورى الفوتوغرافية، وكتالوجات الفنانين التشكيليين، أملأ البيت بالموسيقى الكلاسيكية، أخرج إلى البلكونة أرقب الشارع الهادىء الصامت، وأعود أستلقى على السرير وأحملق فى السقف محاولاً التغلب على أرقى الليلى المزمن حتى أنام مع تباشير الصبح.






2

" شوف حد تانى ".
" ما حدش غيرك هيطلع معايه.. نهارك أبيض ".
نبرة صوته حاسمة يشوبها عشم حديث الأصدقاء الحميمين.
لوَّح بيده وطوحها بعيداً عن جسمه بحركته الشهيرة، لينهى المناقشة التى تورطت فيها وأنا نصف نائم، فاتخذ من صمتى واسترخائى فى مكانى على الكرسى الجلدى العميق الذى غاص فيه نصف جسدى، دلالة على إذعانى.
ليس لى مزاج للعمل اليوم. جئتُ لأعتذر وأدبر لهم مصوراً آخر وأعود للبيت. يمكن لأى زميل أن يحل محلى فى هذا "الأوردر"، وما أكثر من يرغبون في زيادة عملهم.
ما زاد الأمر سوءاً، بالنسبة لى، هو وجود هذه المذيعة التى تصر فى أغلب الأوقات على الظهور "بروفيل" طيلة التسجيل.. من الزاوية اليمنى فقط حتى لا تظهر الوحمة السوداء الناتئة على يسار أنفها الدقيق. حاولت إقناعها مراراً، وأنا أكذب بطريقة سيئة للغاية، بأن "الفيس" رائع، وبأن وجهها عند التقاطه من المواجهة مدوّر ونضر وجميل، وهذا "الكادر" هو أفضل حالاتها على الإطلاق على الشاشة، وبأننى سأتكفل بإخفاء الحسنة الجميلة. ولأؤكد لها كذبتى التى جعلتها تفشخ فمها على آخره، أريتها صورتها على" المونيتور" الصغير الذى يلازمنا عند التصوير. جاءت النتيجة مفزعة، بدا وجهها عند التقاطه من المواجهة عبارة عن مسخ شائه لوجه حيوان برى أتى لتوه من عمق غابة إفريقية. كتمت ضحكاتى فى صدرى، زممت شفتىّ بقوة وصرخت هى "آيه الأرف ده؟!" , وبدأ نعمان يتصنع الغضب فسبنى على مرأى ومسمع من الجميع، ليبدأ استعراضه المعتاد. استعراض السلطات فى بداية الأوردر لإرهاب الجميع، الفنيين على وجه خاص الذين يصعب السيطرة عليهم دون توبيخى أنا ،كما يفكر نعمان.
تحركت سيارتنا لتنقلنا إلى قاعة المؤتمرات الكبرى. مضى الوقت بطيئاً بين استرضاءات ومداعبات نعمان للوسى ذات البروفيل السيىء والفيس الأكثر سوءاً، ومشاغبات الفنيين و"إفهاتهم" الهامسة التى تتخذ من نعمان مركزاً لها.
كنت أتتبع المسيرة المنتظمة للنمل فى رأسى، يسير فى طابور طويل فى خطوط متعرجة مرسومة بدقة، تحددها انحناءات ولفات وانبعاجات مخى اللدن. فتحت النافذة إلى جوارى وأعطيت وجهى للهواء وعينىّ للشوارع المزدحمة التى نجتازها ببطء. أفكر فى أننى لم أنم نوماً عميقاً منذ آخر مرة ذهبت فيها إلى سمرة فى الهرم. لم أجد غيرها فنمت معها، كانت قصيرة وأسنانها متعوجة ورائحة جسدها زنخة، لكننى نمت نوماًً عميقاً بعد أن ضاجعتها. أنا بحاجة إلى امرأة، أية امرأة ، أضاجعها أربع ساعات متصلة، بعدها أنام لا تأتينى الكوابيس التى تجعلنى أصحو لاهثاً عرقاناً كأننى كنت أخوض مباراة مصارعة مع شخص ضخم جبار، ولا أرى الأحلام السعيدة. أحتاج إلى نوم صافٍ رائق بلا صور، أحس فيه جسمى خفيفاً، ينساب بلطف فى ضوء أبيض شفاف أمام عينىّ المغلقتيْن.
الضوء والظلمة قانون حياتى التى ارتبطت بهذه الآلة الغريبة.
أول مرة أمسكت فيها بكاميرا بين يدىّ كنت فى نحو الرابعة عشرة من عمرى، جاءنى بها أبى كهدية لنجاحى الباهر، الذى لم يكن يتوقعه، فى الشهادة الإعدادية. أحببت جسدها الأسود الخشن الذى كنت شغوفاً بملمسه بين كفىّ، وعدستها الواسعة البارزة الكبيرة. كانت أجمل الأوقات التى توفرها لى هى تلك الساعات الطويلة التى أضع فيها عينى اليسرى خلف عدستها وأغمض الأخرى. وهى بين يدىّ أتشبث بها ككنز أخشى أن يسلبنى إياه أحدهم. أسير فى الشوارع كأعمى وُهِب عيناً زجاجية ردت إليه البصر. أرى وجوه الناس والشوارع والبيوت والأشجار والصبايا والمقاهى والأسواق، وقد تغيرت تماماً عمّا كنت أراها بعينىّ رأسى. صارت أجمل، أرحب، نظيفة، ساطعة، محددة، يمكن الإمساك بها، تثبيتها والقبض عليها بيدى، امتلاكها لا رؤيتها وتأملها. أصبحت الأشياء ملكى عندما امتلكت هذه الكاميرا "الياشكا" الصغيرة وأنا على أعتاب المراهقة. حتى أبى الذى أصررت على أن ألتقط له أول صورة فى حياتى كان يبدو لى من خلف العدسة بلا بثور فى خديه، ولا تجاعيد عميقة على ناصية وجهه المستطيل الكبير، وشعره الرمادى الذى كان نصفه أبيض على الأقل صار أسود فاحماً. كان وقد ابتسم ابتسامة خفيفة وبدا وكأنه ينظر إلى داخل نفسه ،ولا يرانى أمامه، يشبه نجوم السينما ورجال السياسة والرجال المهمين الذين يظهرون فى التليفزيون. عندما طبعت الصورة عند عم شيكو أخذها من يدى، تأملها طويلاً ثم قام من مكانه وأخذنى فى حضنه ومسح على شعرى وقال:
" هتبقى فنان يا ناصر".
وصلنا متأخرين ، كالعادة. كانت القاعة واسعة جداً، فخمة، وثيرة، تسع الآلاف. حوائطها العالية مبطنة بعوازل صوت مثل صالة سينما على آخر طراز، ولها قبة ضخمة يزيّن سطحها الداخلى نقوش وخطوط وأشكال عربية ورسوم ومنمنمات فارسية وأشكال هندسية وتجريدات غربية فى بهرجة فاحشة وعجنة غريبة. وعلى الرغم من رداءة الفن فى التصميم والتنفيذ، والألوان الساخنة اللامعة إلا أن الفخامة والثراء والأبهة المنوط بها إحداثها عند النظر إليها تتم بسهولة ويسر، حتى إن من يدخل هنا للمرة الأولى سيفتح فمه ويستشعر كم هو قزم ضئيل وتافه، سيجلس على أحد الكراسى القطيفة التى تغوص بصاحبها مبهوتاً ساكتاً.
اختار نعمان زاوية تصوير ميتة بالنسبة لى، كادر متوسط يُظهرالجميع، وأنصاف أجسامهم العليا ملتصقة بالخلفية. كادر مسطح بلا عمق ومختلط الألوان، والإضاءة التى وضعتها وحاولت بها إضفاء بعض العلاقات بين كتل الأشخاص والمكان، صارت، من هذه الزاوية، أشبه بإضاءة ملهى ليلى تحتفى بالراقصة النجمة.
ولأننى أعرف حمق نعمان لم أناقشه. كنت أريد إنهاء عملى بأية طريقة كانت لأخرج من هذا المكان القبيح الذى يحض داخله على الرضوخ له. منذ دربت نفسى على الاحتفاظ بأفكارى وقناعاتى الخاصة خارج ما أقوم به من عمل لحساب الآخرين ووضعت إمكانياتى الإبداعية فى صندوق أسود داخل صدرى صرت أكثر المصورين شهرة فى صنع ما يريده المخرج، ما يريده تماماً بدقة وإحكام بالغ مهما كانت عيوبه الفنية وبلاهته وتفاهته.
أنا أصنع فقط ما يريدون.
كانت القاعة الكبيرة مزدحمة برجال متأنقين، لامعى الشعر، يرتدون سترات سوداء وكحلية وكرافتات مزركشة، حمراء وزرقاء وصفراء. يجلسون فى مقاعدهم هادئين جادين منصتين، ونساء وقورات متزنات فى تيّراتهن المحترمة. وعلى المنصة الكبيرة التى تحتل صدارة المشهد يجلس خمسة أشخاص، ثلاثة رجال عجائز متوردى الوجوه، أصغرهم فى نحو الستين، وامرأتان جميلتان فى أواسط العقد الرابع. كانوا يتناوبون الحديث الواحد بعد الآخر، حول مستقبل مصر فى الألفية الثالثة.
وأنا أدور بالكاميرا، وهى فوق كتفى، على الجالسين فى الصالة لرصد انطباعاتهم وتسجيل إيماءاتهم وتصفيقهم، وانفعالاتهم وصمتهم لمحتها. رأيتها وتوقفت عندها أفحص وجهها بعينى الآلية. كان لها عينان واسعتان ذكيتان تحت نظارة طبية لطيفة، ووجه منحوت بغمازتين غائرتين، وشفتين مكتنزتين ، السفلى ممتلئة والعليا أرق. وجهها كله يغلّفه ابتسامة ساخرة ضجرة. كانت تستمع إلى حديث المرأة الجالسة خلف المنصة بلا مبالاة. لم تنتبه إلىّ، لم ترانى وأنا على بعد متر واحد من وجهها.
لم أعرف حينها لماذا توقفت بكاميرتى طويلاً عند هذه المرأة، وهذا الوجه الذى بدا لى لحظتها وجهاً عادياً لا يثير الاهتمام. لكزنى نعمان بكوعه فى بطنى احتجاجاً على استغراقى فى التقاط هذا الكادر.
حينما تتلاحق الصور، تتسلسل فوق شاشة المونيتور الصغيرة تصبح شيئاً آخر غير الذى رأيته بعينىّ، عينى رأسى الواسعتين الكبيرتين. العينان اللتان استغنيت عن النظر بهما منذ سنوات طويلة، وركبت مكانيهما عدسة واحدة زجاجية، واسعة ودقيقة ، تضع على الواقع غلالة رقيقة شفافة، تجعل الألوان الكابية الكالحة ألواناً ساطعة مبهجة وتجعل المشهد مكثفاً موجزاً مقطوعاً من الحياة، شريحة دقيقة واضحة التفاصيل، لا تغفل شيئاً، لا تعدم تفصيلة أو لون أو حركة.. عدسة تمنح مشاهدها معاندة حقيقية لصيرورة الزمن وتقتطع لحظة واحدة فريدة كانت مطمورة وضائعة وسط السيلان الأزلى الأبدى.
كان المتحدثون قد وصلوا إلى الجدال والسفسطة والشجار البارد المفتعل، وأصبحوا يدفعون الرتابة والملل بترديد بعض العبارات العدوانية التى تسفه آراء مخالفيهم وأعدائهم الفكريين المفترضين، رغم حرصهم البالغ على استبعاد وعدم دعوة أولئك الأشخاص الذين بقدرتهم أن يكونوا أعداءً حقيقيين وطبيعيين. لابد من التظاهر هنا بأنه ثمة آراء مختلفة ومتعارضة. لابد من وجود المعارضة والآراء الأخرى، " نحن ديمقراطيون بما يكفى لأن تتسع صدورنا لمن يخالفوننا الرأى، ونحن سعداء بوجود هذا الثراء الفكرى فى مؤتمرنا ". هكذا قال أحد الشيوخ الثلاثة بنبرة خطابية زاعقة وابتسامة عريضة، وهو يعنى العكس تماماً.
كنت أنظر إليهم هؤلاء المتحدثين المهذبين المحترمين فى شاشة المونيتور الصغيرة أمامى, فأراهم بنى آدميين آخرين غير هؤلاء. مخلوقات أخرى غير تلك التى أراها بعينىّ رأسى، بشحمهم ولحمهم وستراتهم الأنيقة وألسنتهم الطويلة يزعقون ويخطبون من خلف منصتهم الفخمة ووجوههم فقط هى الظاهرة والمرئية.وجوههم وجوه ممثلين محترفين يجيدون إخفاء أنفسهم ببراعة ومهارة منقطعة النظير بينما تختفى أجزاء أجسامهم السفلى خلف خشبة المنصة. كانوا لا يرتدون ملابس داخلية تستر أعضاء أجسامهم وعوراتهم المسترخية. كنت أرى أفخاذهم السمينة مترهلة وشاحبة تكسوها التجاعيد والعروق الزرقاء النافرة، والدوالى المنتفخة، وأعضاءهم المنذورة للإثمار منكمشة نائمة رخوة، مجدبة مثل بركة صغيرة آسنة سوداء. خرجت قهقهتى عالية صاخبة، لم أستطع السيطرة على مخيلتى وعلى ضحكى المتواصل الذى بدا نابياً وغريباً، فتوقفت السيدة، التى كانت تتحدث بحرقة عن المستقبل النسوى المأمول، عن الكلام وران صمت ثقيل فى القاعة التى رددت حيطانها صدى ضحكى الهستيرى.. حاولت التماسك ، زم شفتىّ بقوة، شل حركة جسمى الذى راح يهتز مكانه. التفت الجميع إلىّ، وتسلطت العيون كلها على جسدى المفكوك المنهار الذى ما كان بإمكانى السيطرة على حركته وضحكه وعبثه، فتصنعت الاستمرار فى التصوير، وخبأت رأسى منهم خلف الكاميرا محتمياً بها وبحاملها.












3

الليلة رأيتها للمرة الثانية. رأيتها بعينىّ رأسى بدون كاميرا. لم أكن أعمل، كنت مدعواً للفرجة والشُرب والفرفشة والرقص، ومشاركة نعمان وكلوديا فرحة تدشين علاقتهما الجديدة. وجهها عادى مثل أى وجه أراه فى الشارع ولا أتوقف عنده، أعبره كأنه لم يوجد أبداً، لكنى حملقت فيها، فى وجهها ونصف جسمها الظاهر لى وذراعيها ويديها. كنت أبحث عما جعل كاميرتى تتوقف عندها طويلاً، في ذلك اليوم حين كنا نسجل مؤتمر الألفية الثالثة. لكزنى نعمان بكوعه فى بطنى، يومها لم أشعر بألم ،كنت مشغولاً بذهولى، باستغراقى فى تأمل تفاصيل الوجه.
الليلة أستطيع أن أراها لوقت أطول. من مكانى بين نعمان وكلوديا كنت أراقبها، وهما منهمكان فى حديث عن قدماء المصريين. كان أبرز ما فى وجهها أنف مستقيم رقيق ينحدر ببساطة ورشاقة من أسفل مفرق العينين إلى أعلى شفتها العليا، شفة وردية ممتلئة قليلاً، الشفة السفلى مكتنزة قاتمة الحمرة. فمها بارز كبير إلى حد ما،لكنه جذاب فى كل الأحوال، عندما تتكلم أو تسكت أو تمتعض وهى تقلب شفتها السفلى. خلعت نظارتها الطبية وراحت تلعب بها بين يديها وتضعها فى جانب فمها، فبدت ملولة لا تستسيغ جلسة مرافقيها. رفعت وجهها لأعلى ثم نحو حلقة الراقصين والراقصات فبان لى ما لم أدرك كنهه فى المرة الأولى. كانت عيناها السوداوان الواسعتان، اللامعتان ببريق خافت، هما كل ما تملك هذه المرأة من قوة جذب ونفور، تعلق واحتماء، غدر وسخرية وولع. عجينة ملتبسة من الضعف والشره والإغواء. أشحت ببصرى بعيداً عن عينيها اللتين لم تريانى هذه المرة أيضاً.
كانت صاخبة الحركات فى جلستها بين رجلين فى نحو الأربعين وامرأتين مألوفتين لى، أراهما أحياناً فى المطعم السويسرى، ووسط البلد والنادى اليونانى. هى كانت تتململ تشرد بعيداً عنهم، تتصنع الإنصات إلى حديثهم وتجرع كأسها وتهز رأسها. تطالع الراقصين بنظرات استكشافية سريعة كأنها ترسم منظراً عاماً للجميع يخصها وحدها.
كان النادى اليونانى العتيق مزدحماً وصاخباً، قنبلة انفجرت بالموسيقى والحركة والكلام، فالليلة ليلة ختام المهرجان الموسيقى الذى يقيمه فلول الأجانب الباقين فى مصر من يونان وفرنسيين وإيطاليين والعاملين بالسفارات الأوروبية. وكانت الفرقة البرازيلية التى تحيى الليلة تعزف ألحانها الصاخبة باستغراق تام فيها، غائبة عن وجود الخليط العجيب، الجمهور العالمى الذى وحّده الشغف بالغناء والرقص والشراب. كانوا خمسة شباب تلمع وجوههم البرونزية تحت الأضواء المسلطة عليهم، شعورهم طويلة مسدلة على ظهورهم، مجعدة وهائشة، وصدورهم وأكتافهم عارية, عضلاتهم المفتولة القوية بارزة كلاعبى كمال الأجسام. أربعة منهم يحتضنون جيتاراتهم على صدورهم وخامسهم يجلس بين الطبول وآلات الإيقاع التى يتنقل بينها برشاقة وسرعة. كانوا يعزفون لأنفسهم، لبهجتهم الخاصة واحتفاءً بالمرأة، مغنية الفرقة ضخمة الجسد خفيفة الحركة والدم. تناغش عازفيها وتلاطفهم، تلاعبهم بانتقالاتها الحادة المفاجئة من مقطع فى أغنية إلى مقطع آخر فى أغنية مختلفة. تتوقف فجأة لتضحك ضحكة ماجنة هائلة كأنها تذكرت شيئاً يغضب عازفيها ثم تبدأ أغنية جديدة، وحين ينهمكون في متابعة اللحن الجديد يجدونها قد شطحت بعيداً وانطلق صوتها القوى بمطلع أغنية أخرى لم يعتادوها منها، فيضجون صائحين متوقفين عن العزف، فتضحك بخلاعة أكبر وسط صياح الجمهور المنتعش، وتشير بيدها لتوهمهم بأنها ستلتزم باللحن الجديد وما إن تشرع فى الغناء حتى تعود إلى اللعب بالجميع.. هكذا راحت تسقيهم وتسقينا الجاز والروك أند رول والسامبا والبوب وهى تلعب بعازفيها وبجمهورها حتى ضج الراقصون والراقصات، المراهقون والشباب والكهول والعجائز، البيض والصفر والسود والسمر.
ضجت الأجساد الخفيفة والثقيلة ومتوسطة الوزن وتحركت وابتدعت رقصات وتمايلات واهتزازات عشوائية تحاول اللحاق بارتفاعات وانخفاضات وانتقالات السلم الموسيقى البرازيلى العجيب الخاص بالمطربة المشاكسة. كانوا يبادلون العازفين والمغنية التحيات الحارة بالصفير والتصفيق والرقص والضحك. مثل حيوانات برية أطلقوا سراحها من سجنها للتو كانوا يرقصون ويعربدون ، كانوا سعداء حقاً حين عبرت الفرقة عن امتنانها لتجاوبهم الرائع بإعادة عزف أكثر المقطوعات صخباً ، الوحيدة التى كانت حركة جسدها الكبير رشيقة متناغمة كأنها كتلة من النغم الصافى ،كانت هى، هذه المطربة الممتلئة السمراء ذات الصدر الكبير والشفاه الشهوانية.
كنت أحرك جسدى وأنا جالس مكانى محاولاً أن أصير جزءاً من حشد الأجساد الصاخبة الفرحة. بدأت سحب الويسكى البيضاء الصغيرة تظهر فى دماغى، شربت ثلاثة كئوس من زجاجة كلوديا فظهرت علىّ أعراض الجرأة القديمة. حين أريد امرأة أحس جسدى مشدوداً، متوتراً، يقظاً. منذ زمن طويل لم تداهمنى هذه الأعراض مجتمعة على هذا النحو.
جاء نعمان يترنح ويده ملفوفة حول خصر كلوديا، عرقانيْن ضاحكين سكرانين بالخمر والرقص والموسيقى. انتشلت كلوديا حقيبة يدها من فوق المنضدة بيدٍ مهتزة قليلاً، وقبلت خدى. قال نعمان إنهما سيذهبان الآن. نعم يجب عليهما أن يفعلا الآن، وإلا ما فائدة انفكاك جسديهما هكذا. قلت ذلك فخبط نعمان رأسى بيده واهتز جسمه كبندول، ولم تفهم كلوديا السويسرية التى تدرس اللغة العربية والآثار الفرعونية.
استرحت لانصرافهما وبقيت وحيداً. صرتُ عيناً كبيرة مسلطة عليها. تحينت الفرصة التى أعرف أنها نادراً ما تتكرر. كانت قد انتحت جانباً وأسندت ظهرها إلى الباب الخشبي الكبير المفتوح الذى يفصل بين صالة الرقص الواسعة وقاعة المطعم، وراحت ترقب الجميع شاردة وغير معنية بهم. رسمتُ على شفتيّ ابتسامة جينتلمان أريب، وفي خطوات واسعة كنت قد أصبحت أمامها، في مواجهتها، رأسى يعلو شعرها الأسود اللامع بحمرة خفيفة. رفعت وجهها لأعلى مباغتة بوجودى، تركتها تحملق في وجهي لحظات وقلتُ بلا مقدمات "آيه رأيك في الرقص ؟ "
دُهشتْ قليلاً. كنت أظن أنها معتادة على مثل هذه الدعوى. هزت كتفيها، وخلعت نظارتها ترمقني بنظرة محيرة غامضة، فنظرتُ في عينيها مباشرة دون أن أطرف. فعلت الشيء نفسه، لم تجفل كما كنتُ أريد واكتسى وجهها بوهج وردى خفيف.كان بيني وبينها شبر واحد فقط، فرأيت صورة وجهي وقد تجسد في بؤبؤىّ عينيها الكبيرتين. أرى نفسي داخلهما وجهاً غريباً ملتاعاً.
سرت في شفتيّ حركة ودغدغت أوصالى كهرباء لطيفة. ماذا حدث لى ؟ قلت لنفسي منذ سنوات طويلة إن أفضل طريقة لفضح الآخر هي أن تنظر في داخله مباشرة، أن تطرق بوابته عبر عينيه ولا تجفل ، لا تخافه حتى تراه وتعرفه وتعريه.. سرى هذا لا يعرفه غيرى. لستُ إذن الغبي الوحيد في العالم الذى يؤمن بهذه الخرافة. يبدو أنها خرفانة مثلى تماماً. ما الذى يؤلمني بهذا الشكل ويجعل مزاجي تالفاً هكذا ، انكشاف سرى وافتضاحي أم لذة المشاركة المباغتة. امرأة تعرف خرافتي، كأنها تعرفني منذ سنوات طويلة.
صرتُ خائفاً من نفسي ومنها مفتوناً مرعوباً من اللذة العجيبة التى داهمت جسدى كله وأنا متسمر في الأرض أمامها ساكناً أليفاً مستأنساً. لا أعرف ماذا علىّ أن أفعل، كيف أتخلص من لعبتي السخيفة التى أردت أن ألعبها أنا عليها، فإذا بي أنا الملعوب به، الواقف الصامت المنتظر.

فصول من سحر أسود

لا

لم أشعر برهبة من هذا المكان، أو بخوف من هذا العجوز الجالس على دكته الخشبية الصغيرة فى مدخل البيت القديم، يخيط الأكفان البيضاء بابتسامة ثابتة تجمدت معها ملامح وجهه، ونظرته المقتحمة التى تتردد بين الإبرة والقماش والداخلين والخارجين من البيت. يتفحصهم طويلاً ، بثبات ،كأنه لا يراهم، تقريباً، كأن عينيه ميتتان، أو هكذا يبدو لشخص جديد مثلى هنا. يتفرس فى وجوههم، يزنهم بميزان حسَّاس متفهم، وأياً كان شخص الداخل أو الخارج من البيت رجلاً أم امرأة أم طفلاً، وأية كانت هيئته وحاله ومشيته فإن العجوز غالباً ما تنفرج شفتاه وتلمع عيناه العميقتان الصغيرتان فى ابتسامة ودودة تمنحها تجاعيد وغضون وجهه براءة الخلوّ من الغاية.
أحياناً، أحس ابتسامته الدائمة موجهة فقط لدنياه الخاصة، لإبرته الرفيعة الطويلة، وقماشه البفتة الأبيض الذى لا يُفصّل على هيئة ثوب له ياقة ورقبة وذراعيْن وأساور، وليست على أي حال، كما بدا لى فى البداية، سخرية عميقة من الأحياء جميعاً.
منذ نحو الساعة التاسعة صباحاً يرابض العجوز، فى مكانه المعتاد، فوق الدكة التى يتغير موقعها تبعاً لحركة الشمس، وسقوط أشعتها على وجهه وقماشه ودكته. فى الصباح، فى أيام الخريف هذه، ينصب صبيّه فارع الطول الدكة أمام الحائط الحجرى المتهدم للمنزل المهجور الذى يواجه بيتنا القديم، لتصبح جلسة العجوز فى مواجهة باب دكانه المفتوح تماماً.
صباحاً، يستمتع بدفء الأشعة الفضية التى يحب أن يتركها تسقط على رقبته وظهره لتنير العروق الخضراء البارزة فى رقبته المجعدة القصيرة ، وتُظهر جمال جلبابه البنى الداكن. وهو منحنٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ على القماش تنتقل يده الماهرة بسرعة من غرزة إلى أخرى، ويهتز جسده الضئيل بحركة رتيبة تتكرر مع كل شدة للإبرة.
كان يمسك الإبرة الطويلة اللامعة بين إصبعىّ السبابة والإبهام بإتقان وقوة تظهر، لمن يراه وهو يعمل، كإصبع سادس طويل، رفيع وصلب فى يمينه المعروقة.
بدخول الظهيرة واستقرار الشمس فى منتصف السماء يتغير موقع الدكة، يحملها الصبى بين يديه ويضعها أقرب ما يكون إلى الباب الحديدى للبيت، وعلى يمين باب الدكان. فى الظل المنبسط تحت بلكونتى تتحول الدكة القصيرة لنحو الساعة إلى سرير صغير يمدد عليه العجوز جسده الضئيل، ويغفو فى قيلولته اللذيذة. ينام كرضيع بعد دقائق قليلة من استلقائه على الدكة، ولا تفارق وجهه ابتسامته، كأنه يداعب ملائكة طيبين، وعذراوات جميلات، ولا يرى فى نومه ما أراه من كوابيس.
أرى قتلة وسفاحين وأمازونيات وعسكر يداهموننى كلما حاولت النوم فى الظهيرة.
بغروب الشمس يُعيد الصبى الدكة إلى موقعها الصباحى، ويعود العجوز يهز جسمه مع خياطة كل غرزة فى الكفن الذى ينتهى من خياطته فى نحو التاسعة مساءً، يطبقه ويحمله بين يديه بحرص، ويقطع المسافة القصيرة بين الدكة وباب الدكان فى خطوات بطيئة مهيبة، كأنه انتهى من صنع إكسير السعادة ، يضعه فوق أحد الرفوف الخشبية الكثيرة التى تغطى معظم حيطان الدكان، ويعدل طاقيته البيضاء الصغيرة، وينفض جلبابه استعداداً للمغادرة.
يحل الظلام مبكراً فى الخريف، وهنا أيضاً. يقل عدد المارة فى الشارع، ويَنْدُر الداخلون والخارجون من البيت، وتخفت الأصوات ويختفى العيال الذين يلعبون فى الشارع، فينزل الصبى باب الدكان الصاج بصرير وقرقعة مزعجة نتيجة لصدأ التروس. يتأبط العجوز ذراع صبيه ويمضيان صامتيْن فى خطوات بطيئة إلى ناصية شارع الرشيدى، ثم يسيران باتجاه محطة الأتوبيس فى مواجهة مبنى القصر العينى الفرنساوى.
هذا العجوز لن يترك لى الفرصة للصعود إلى شقتى بالدور الثانى برفقة امرأة دون أن يثير فى نفسى بعض الشكوك حول رد فعله. كما أن تسريبها، إن حدث ونجحت فى اصطياد إحداهن، سيكون عسيراً أثناء النهار، وهو الوقت الذى أفضل أن تغادر فيه المرأة. على أية حال لم أختبر ذلك بعد، سأجرب.
بعد إسبوعين من سكنى فى هذا البيت صارت ابتسامة العجوز ريحان، التى يواجهنى بها عند دخولى وخروجى ، ابتسامة عارفة ، كأنه فرغ تماماً من الإلمام بالمعلومات الضرورية التى تلزمه لتكوين فكرة عن شخصى الذى اقتحم عليه مجال بصره وخبرته اليومى. شخص جديد، ساكن جديد فى مثل هذا الحىّ يعنى أن يلتفت السكان القدامى إلى هيئته، سنه، حالته الاجتماعية، سلوكه اليومى، أوقات دخوله وخروجه، عاداته، ما يحمل بين يديه من طعام أو أكياس أو حقائب، الذين يزورونه إن وجدوا.. فما بالى بريحان هذا. ريحان الذى بنى أساس وجوده هنا على المراقبة والملاحظة الدقيقة للآخرين. مراقبة تبدو فى ظاهرها لامبالاة كاملة، خاصة وهو متفرغ لإرهاف حاسة بصره التى تبدو فى حالة جيدة على الرغم من تقدمه فى العمر. ربما يكمن السبب فى استغنائه شبه التام عن استخدام الكلمات مع سكان الحىّ أو صبيه أو حتى الزبائن. زبائنه يأتون إليه عادةً ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍفى شكل جماعة صامتة حزينة لا تعبر بالكلمات عمّا تريد، وهو ليس فى حاجة لأن يسمع أصواتهم ليعرف ماذا يريدون. إنه يعرف بمجرد النظر إلى الآخرين ماذا يريدون منه، وهو سيفعل كل شىء على أتم وجه دون حاجة إلى تبادل كلمات من أى نوع.
اعتاد سكان الحىّ وجود ريحان منذ سنوات طويلة. قليل منهم يتجنبون المرور أمام دكانه حتى لا يلقون عليه نظرة وهو جالس على دكته، ويهربون من نظرته إليهم وابتسامته الدائمة، وحتى لا يشمون رائحة دكانه العتيقة العميقة. رائحة نفّاذة كانت دائماً مميزة لهذا الشارع الضيق، الذى لا يحمل اسماً وليس له يافطة معلقة على أول بيت فيه كما هو حال بقية شوارع المنيرة. كان الاسم المتداول بين ساكنيه وفى الحىّ هو شارع "الحانوتي"، يتداوله الناس كاسم عادى، محايد ودال لشارع ذى رائحة خاصة ، تبدأ خفيفة غير منفرة مختلطة بروائح اللحوم والأسماك والخضراوات فى سوق شارع المواردى، وتتصاعد حدتها وثقلها لمسافة ثلاثمائة متر، هى طول الشارع، لتصبح رائحة نقية خالصة حاضرة وحدها أمام دكان ريحان الذى لا يفصله عن تقاطع شارع الرشيدى سوى بيتيْن .
أما أغلبية قاطنى المكان فقد ألفوا الرائحة الراسخة رسوخ ريحان فوق دكته وهو يخيط الأكفان، يمرون عليه، أمامه كأنهم لا يرونه، كأنه حجر فى الحائط المتهدم الذى يركن إليه ظهره. الأطفال والصبية لا يبالون. يحولون المساحة الصغيرة أمام الدكان إلى ملعب كرة، يصنعون مرمييْن بأحجار صغيرة ويرمحون خلف الكرة، يظيّطون ويلعبون ويتشاجرون فى فترة قيلولة ريحان. أحياناً يلعب معهم صبيه.
على الرغم من أننى لم أتبادل معه كلمة واحدة خلال هذين الإسبوعين ، حتى للتحية، فقد تولدت بيننا علاقة مختلفة عن علاقته بقاطنى الحىّ القدامى، فلا أنا أنفر من وجوده وأتجنبه وأغض بصرى عندما أراه ينظر إلىّ، ولا أنا مسلم به وبوجوده هنا مثل بقال أو جزار أو خضرى أو أتعامل معه بلامبالاة صريحة كأطفال الشارع. منذ سنوات طويلة لم يسكن شخص جديد هنا، خاصة فى الشقة الصغيرة فوق دكان ريحان مباشرة. لعله سعيد، الآن، بأن الشخص الذى كان يتمنى مجيئه قد جاء أخيراًً ليبادله لذة مراقبة شخص آخر، تتكشف حياته أمامه رويداً رويداً، ومع كل اكتشاف جديد يخفق قلب العجوز ببهجة تُضىء وجهه المدوّر الجميل الذى كان، يوماً ما، وجهاً شاباً جذاباً للغاية.
كنتُ على استعداد تام لإرواء نزق ريحان وشهوته الجامحة للاستطلاع، ومشاركته أسرارى الشخصية التى كنت فى حاجة ماسة لفضحها أمام شخص عجوز حكيم مثله، يتعامل يومياً مع الأجساد الناضجة المكتملة، التى تغادر الحياة وقد تخلصت من مأزقها. إنه يرى الناس في لحظة نضوجهم الأقصى الذى ليس بعده شىء.
تطورت علاقتى بريحان خلال الخمسة عشر يوماً الماضية بسبب حواراتنا الصامتة التى نتبادلها بنظرات سريعة يقتحم بها كلانا الآخر، فى لحظات خاطفة تتكرر تقريباً على نفس الصورة. أنا أدخل إلى البيت أو أخرج منه, أتريث قليلاً أمام الباب الحديدى، على ظهرى حقيبتى الجلدية الصغيرة، وهو جالس على دكته فى مواجهتى يعمل فى نشاطه الرتيب. في البداية كان يرمقنى بنظرة سريعة دون أن يرفع رأسه عن القماش والإبرة، كأنه لا يرانى، ثم صارت يده تتوقف عن غرس الإبرة في القماش الأبيض للحظات ليرفع وجهه إلىّ ويهز رقبته بإيماءة ترحيب ، ثم صرت أنا أبادله الابتسام وأرفع يدى اليمنى بتحية متعجلة.
يوماً وراء يوم تعمقت بيننا ألفة وتناغم وارتباط غامض مبهم. لم أعد مهتماً بتجريب اصطياد امرأة لمعرفة رد فعله، ولا بمدى ما يعرفه عنى، حتى إننى أصبحت أشم رائحته المميزة من على بعد مئات الأمتار.
وأنا أسير على كورنيش النيل فى "جاردن سيتى" أظل أشمشم بأنفى طيلة مشيى بخطواتى المتسكعة البطيئة مثل كلب يبحث عن رفيقه. وكلما اقتربتُ وقصرت المسافة بينى وبين دكانه ودكته كلما صارت الرائحة العتيقة ثقيلة، نفاذة وقوية، لحظتها أعرف أنه مستقر فى مكانه، لا يزال حياً، يخيط الأكفان بلا رتابة أو إحساس بالملل.


1

Wednesday, March 29, 2006

فصول من سحر أسود

http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\archive\2005\2005-11-16\67.txt&storytitle=

Wednesday, March 15, 2006


the cover Posted by Picasa